بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً لابدّ منها :
هل اختفت الفلسفة؟.
منذ سنين طويلة لم يشهد العالم ولادة فلاسفة مجدّدين حقيقيّين -أعني واضعي النظريّات الفلسفيّة الشاملة التأثير- , كان هنالك مفكّرين مبدعين أحدثوا تجديداتٌ في التفكير البشريّ الحديث , كانت لهم آراء غريبة أحيانا لكنّها أحدثت ثورة مجنونة كهذا العصر الذي سخر من العقل البشريّ القديم (التقليديّ) , وأصبح المرء يسافر من قارة إلى قارة في يومٍ واحد وبمبلغٍ ربّما كان أقلّ من تلك الرحلات الطويلة والتي تدوم أشهر على ظهر سفينة ما والتي إن وصلت لاتصل بجميع أبنائها!. تطوّر العلم ومعه الفلسفة وكأنّ الانسان لايرضى بالبقاء هادئا في عالمه يبحث عن قوت عيشه (حاجته) ورضى ربّه أو آلهته (بإيمانه) , استبدل الانسان أصنامه وأفكاره وحكّامه وكلّما أتى عصرٌ لعن العصر السابق وكأنّه كان على ضلالة وسيأتي عصرٌ ويلعنه هو الآخر!.
تُرى,إلى أين يريد أن يصل الانسان؟.
بعد أن كانت السفينة تصل للقارة الأمريكيّة بعد أيّام طويلة وشاقة -كما ذكرنا- الآن تصل الطائرة بكلّ مسافريها -غالبا- وفي أقلّ من يوم!. طبيعة الانسان الديناماكيّة تجعله يغيّر كلّ شيء من حوله حتّى أفكاره(ولكنّه لايغيّر غرائزه) , من كان يتصوّر بأنّ هنالك تماثيل لفولتير في باريس؟! وهو الذي طُرد منها,ومع رغبة الانسان بالتغيير يكون هنالك فلاسفة يضعون النقاط على الحروف لتكتمل جملة التغيير وبشكلٍ أفضل وهذا مافعله فولتير. لكن هل تقديرات الانسان صحيحة دائما؟, يقولون:بأنّ الأسماك لو كانت تتعلّم من أخطائها لماستطاع الانسان اصطيادها وبنفس الطعم , ويقولون: بأنّ ذاكرتها لاتتعدّى ثواني!, وهذا مايميّز الانسان .الإنسان يحبّ التعلّم ويمتلك ذاكرة وقابلة للإطالة بمعرفة أجيال أو تاريخٍ بأكلمه فلولا الذاكرة لما كانت هنالك حضارات ولولاها ماستطاع الانسان أن يتعلّم . أغلب التغييرات حدثت بعد عرض الأخطاء ودراسة أسبابها ومن ثمّ تظهر الحلول ولوكانت هنالك حلولٌ مُـطـلـقـة لما ظهرت أفكارٌ أخرى ومن بعدها مختلفة ومؤثّرة ففولتير يتّفق كثيرا مع اسبينوزا لكنّه كان يختلف معه في مسألة “الله” ووجوده وماهيّة ذلك الوجود وكان يرى بأنّ سبينوزا -رغم عظمته- يميل للإلحاد وطبعا فولتير لم يكن يميل إلى ذلك أبدا , وديدرو المُعجب بروسو كثيرا لم يتّفق الأخير معه كذلك حول مسألة الإلحاد كذلك بل من كان يوافق روسّو بكلّ ماقاله؟ . رغم تأثيرة العظيم فولتير سبق وأن أرسل له رسالة ساخرة وهو يدعوه لتناول قدحا من حليب بقرته وشيئٍ من عشب الأرض! ؛ لم تكن أفكار روسو تعاليما يتمّ تطبيقها لكنّها كانت تفسيرات وفلسفات كيف أنّ الإنسان يولد وهو على فطرته نقيّا لكن:المدن ,الفنون,الأدب,العلوم, كلّها تشوّه أفكاره وتوقظ أطماعه والتي لم تكن موجودة على طبيعته , يكفي بأنّ نتعرّف عليه من خلال معرفة عنوان المسابقة والتي شارك بها وكانت سببا في شهرته عندما نظّمتها أكاديميّة “ديجون” وكان العنوان يتحدّث عن : إمكانيّة وجود تأثيرات إيجابيّة للعلوم والآداب على أخلاق الانسان, وكان قد أجاب روسو بالنفي في مقاله الفائز وذكر عكس ذلك. جلّ ماكان يفعله فلاسفة فرنسا في القرن الثامن عشر هو علاج الأخطاء وصنع الحلول لها ففرنسا افتقدت كثيرا :عصر ريشيليو, كولبير, أساطيل تورفيل وشاتورينو وهي تحطّم سفن الانجليز (أعداء اليوم قبل أن يسودوا البحار) ,كان وجودهم – أيّ الفرنسيين- بكوبك والهند يثير غيض الانجليز الذين سلخوا شيئا فشيئا كلّ ذلك من فرنسا بعد حروب طويلة خاصة “حرب السبع سنوات1756_1763م والتي انتهت بتوقيع معاهدة باريس بمالاتشتهي باريس!. الظروف السياسيّة والاجتماعيّة خلقت كلّ ذلك , كانت الأمّة الفرنسيّة بشعبها بالقرن الثامن عشر أعظم من القرن السابع عشر وهو العصر الذهبيّ ! ؛ نظام الحكم برفقة لويس الخامس عشر (القائل:”أنا ومن بعدي الطوفان” ) لم يكن أهلا لحكم تلك الأمّة والتي جعلت من الفرنسيّة اللغة الرسميّة لأوروبّا ولم تكن الانجليزيّة شيئا! . أدخل لويس الخامس عشر الفرنسيين في حروب قاريّة وبحريّة لاطائل منها وتسبّبت في خسائر أبديّة لممتلكاتهم في ماوراء البحار وخلقت ظروفا صعبة وقاسية وسنين طويلة من الجوع والفقر الموحش كانت فاتحة المسبّبات للثورة الفرنسيّة لاحقا وللأسف لويس السادس عشر لم يملك الحكمة لذلك كان هو من ضمن ماعتبروه الفرنسيين خطأً ووجدوا بأنّ الثورة هي الحلّ – تماما كما قلنا دراسة الأخطاء ومن ثمّ الحلول- . كثيرا ماذُكر : موليير وباسكال وديكارت وبجانبهم ذكرٌ للويس الرابع عشر, لكن لاأحد يذكر لويس الخامس عشر ولاالسادس عشر عندما يذكر: فولتير وروسو وديدرو ومونتسيكو ولافوازيه ولابلاس غيّبوا تماما وكأنّ وجودهم كان خطأً!! , ماحدث في عصرهم هو ماخلق كلّ تلك الأخطاء التي جلبت الثورة وإلا فإن العالم لم يكن على خطإ مُطـلـق , الانسان خاضعٌ للظروف والتي تعكّر أبسط مقوّمات عيشه كالخبز فهذا الخبز هو من جعل من الممكن خروج أحدهم وهو يهتف بكلماتٍ إلحاديّة عنيفة لم يكن يستطيع قولها في نفسه! . الانجليز بقيادة فلسفتهم العمليّة والتي لم تكن بالحجم التأثيريّ للفلسفة الفرنسيّة (فكريّا) إلا أنّها جعلت من الانجليز أسيادا للعالم وجعلت العالم يقلّدهم الكثير من السياسيّين يؤمنون بمقولتهم:”لاتوجد هنالك صداقات وإنّما هنالك مصالح مشتركة” هكذا فعلوا الانجليز وبها أوصلوا لغتهم لتحتلّ العالم وبنوا الكثير من أمجادهم خارج أرضهم بفعل تلك المصالح – لم يكترثوا كثيرا بالاختلافات الفكريّة لدرجة أن داروين وماركس استطاعوا أن يجدوا البيئة المناسبة لقول الكثير من الأشياء الغريبة وان كانت خاطئة- ومع ذلك من يهتم لما يقولونه؟ فالانجليز كانوا سادة العالم ؛ ألهذه الدرجة بالإمكان سدّ فم الانسان بملء فمه بلقمة عيشه وملء عينه برغباته وملء روحه بتطلّعاته؟!؟. إذا ماذا عن حقيقة (الحقيقة) والتي يزعم الانسان بأنّه في صدد البحث عنها أو الحلّ المُـطـلـق والذي سيجعل العالم أفضل! . الحلول لاتأتي إلا في أوقاتها وظروفها ولاوقت لصياغة حلٍّ مُطلق والجدال عليه كثيرا ,العالم في غاية الاتّساع والقوانين قادرة على أن تتشكّل لتستوعب الكثير الكثير ,وتجدر الإشارة إلى أنّ فولتير (الموحّد) كان قد ساند الملحدين ودافع عن حقّهم في إبداء آرائهم بل ووافق على نشر أفكارهم وهو الذي لم يجد أيّ درجة من الصحّة فيما يقولونه عن الإلحاد بالذات ,كان يعرف ماذا يريد الانسان بالضبط:حريّته ومساحته لكن ليست بتلك الصورة المُطلقة -قليلة هي الأشياء المُطلقة بالعالم- فقط الإيمان والتوحيد أمّا فيما يخصّ الانسان وطريقة تفكيره وتطبيقاته فلا , الإيمان لم يتبدّل مع مرور السنين التي رافقت البشريّة تبدّلت كلّ الأفكار إلا الإيمان لم يتبدّل وظلّ موجودا , ماتت الأصنام والآلهة وانطفأت نار المجوس وقضي على آلهة الإغريق وطويت في داخل الكتب وبقيت حقيقة الايمان بالله – كون ماقبل قد اختفى فهذا يدلّ على أنّها كانت وسيلة أو طريقة ديناميكيّة لتسيير الانسان وتفكيره واندماجه بمنظومة روحانيّة لكن الايمان بالله لازال باقيا, كما بقيت فطرة الانسان والأمر المُـطـلـق عنده هو سعيه لنيل حقّه في كلّ شيء وبكلّ الطرق ولازال يبحث عن حقّه – . كم مضى من عمر الانسان؟ إلى الآن لم يعثر على ذلك الحقّ الذي يسكته إلى الأبد! من الداخل هنالك أشياء ثابتة في الإنسان لكن من الخارج (التعبير , ردّة الفعل, السعي) اختلفوا على مرّ العصور وكلّها لغاية الوصول لما يراه هو حقٌّ له ولنا في مقولة ميكيافيللي أجمل الصياغة في ذلك إذ يقول:”الغاية تبرّر الوسيلة” بالإمكان إعادة بناء الأشياء وتكوينها بحيث تكون هي مايراه الانسان حقّا له وهي مهمّة الأنظمة بشكلٍ عام يكفينا أن نعلم بأنّ الانسان عندما يطالب بأمرٍ قد يتمّ إقناعه وردّه عن سعيه فقط بالكلام ! لماذا؟ لأنّ ذلك الكلام قد قام مقال حقّه المطلوب ولو مؤقتّا!! .
ماذا فعل : فرانسيس بيكون,جون لوك , باركلي, هيوم بالمجتمع البريطانيّ؟ لقد أسّسوا فلسفاتٍ تساعد على تحقيق رغباتهم وبشكلٍ آخر النظام السياسيّ وفّر كلّ ذلك عمليّا ونمت الروح الانجليزيّة والمتمثّلة بقيم التفكير والليبراليّة الانجليزيّة ومعها التجارة الخبز الذي يسدّ أفواه المحرومين, كانت انجلترا مستعدّة لإعلان الحرب من أجل سلعة هي “الشاي”! .ومايميّز الفلسفة بأنّها شاملة شاسعة حدّدت طريقة التفكير والسياسات بخطوط عريضة وكان في انجلترا حكّامٌ حكموا وتبنّوا كلّ ذلك وركّزوا على تجارتهم فلم يهتمّوا عندما كان ملكهم هولنديّا والآخر ألمانيّا بل أشاروا بإصبعهم إلى مايريدونه وهو البرلمان الذي يساندهم ,كان البرلمان قويّا لدرجة أنّه قطع رأس تشارلز الأوّل! وهو ملك انجلترا عام 1625_ 1649م . عندما انتهت حرب الوصاية على العرش الاسبانيّ 1701_ 1714م والتي نالت منها فرنسا ماتريد (تولّي أحد أفراد أسرة آل بربون العرش الاسباني) لكنّها خسرت الكثير من الأشياء التي كانت تهمّ الانجليز أكثر من تلك الشكليّات فقد كرّست معاهدة آوترخت مينوركا(جزيرة اسبانيّة من جزر البليار) للعلم البريطاني وجبل طارق وفي كندا أخذت نيوفوندلاند وخليج هدسون ونوفاسكوتيا وفوق كلّ ذلك بحقّ بيع العبيد للاسبان أنفسهم!, إنّها الطريقة الانجليزيّة بالتفكير بماينبغي لهم أن يستحوذوا عليه , كالمنهج العلميّ والذي يحدّد ماهيّة غاية الحياة وسبل الاستمرار. تُرى لو لم تكن انجلترا أو لم يكونوا فلاسفتها هل كانت انجلترا ستكون بهذه الملامح ؟ ربّما لو كان فولتير انجليزيّا وكذلك روسو لما حصلوا على ماحصلوا عليه لكن كان هنالك نوعٌ من الاندماج بين فلاسفة انجلترا وطبيعة الشعب هناك وحريّة التعبير وفوق ذلك النظام السياسيّ المرن والذي خلق شعبا فطنا بمثل تلك الأمور . فولتير وروسو انطلقت فلسفاتهم كتعاليم عامة أوحت إلى مختلف الشعوب بفعل ماآمنوا به ومايريدونه لكن بطرق مختلفة باختلافاتهم ورؤياهم ,أتت الثورة الفرنسيّة وفعل الشعب مايريد وتلك التعاليم جعلت منهم يقرّون “وثيقة حقوق الانسان” 1789م وكانت تعاليمها تفوح بأقوالهما وكذلك أقوال جون لوك الانجليزيّ! هذه هي الفلسفة والتي تتخطّى الحدود وتختلف بطريقة تلقّيها وتنفيذها الوصول إلى المطالبة بأنّ تلك الطريقة -وفي أدقّ الأمور هي الأصحّ- لايعدّ إلا عبثا .فكريّا كانت تعاليم الفلاسفة الفرنسيين أعظم تأثيرا لأنّها ربّت شعبا كاملا -عرفوا الانجليز مايريدون ومايحتاجون إليه لإستخدام العنف- لكن في فرنسا ورغم تطوّر الفكر الانسانيّ هناك إلا أنّ مشكلة الإصرار بشكليّاتٍ كالآراء جعلت من العنف مشروعا في سبيله! ولو رأينا إلى انجترا من نواحي أخرى كاحترام الانسان وفكره من نواحي بعيدة عن معيشته ويوميّاته المعيشيّة لوجدناها متأخّرة وموغرة بالجهل فإلى فترة مابعد الثورة ونابليون كان الاتهام بسرقة ماشية ما كفيلا بإعدام المُذنب شنقا! , وكأنّ الانسان ينمو من عدّة جهات عمليّا كانوا الانجليز متطوّرين وقادرين على أخذ مايريدون لكن في أمورٍ أخرى كانوا متأخرين بشكلٍ لايتناسب مع براعتهم العمليّة . الفرنسيين كانوا بفكرهم مثالا يحتذى به أفكار خلابة وحريّاتٌ كانت مطلب كلّ الأمم لكنّ لم يجيدوا كثيرا ممارسة ماكان الانجليز يمارسونه من تطوّر الفلسفة أشبه بالغيمة الممطرة على أرضٍ شاسعة (هي الشعوب) وينبت من هنا وهناك أنواعٌ مختلفة من الأشجار والأزهار والأشواك!.